|
إليكم هذا المشهد. عند أحد التقاطعات الحيوية في مدينة الرياض وفي وقت ذروة (قبيل صلاة المغرب) تضيء الإشارة خضراء للمسار القادم من اليسار. يندفع سيل عارم لا ينقطع من السيارات العابرة بسرعة. الكم الهائل للسيارات القادمة من جهة اليسار يرغم أصحاب المسار الأيمن الراغبين في الاتجاه يمينا على الانتظار حتى يتوقف سيل السيارات القادم من اليمين. ولكن وبرغم ذلك, ألحظ أن صاحب السيارة الثالثة على نفس الاتجاه «معلق» يده على منبه سيارته في محاولة منه للضغط على صاحب السيارة الأولى ليلتف يمينا, برغم أن ذلك مستحيل عمليا. إلى هنا والأمر عادي ويمكن أن يحدث في أي مكان في العالم, سائق غير مهذب يريد من الذي أمامه أن يخالف قواعد المرور ويعرض نفسه والآخرين للخطر فقط لانه غير مستعد أن يلتزم بتلك القواعد. لكن ما هو غير العادي كان رد فعل صاحبي السيارتين الأماميتين. إذ أن توقفهما عن الانعطاف يمينا كان التزاما بالقانون. وبناء على ذلك, فقد توقعت أن ينزل صاحبا السيارتين الأماميتين, أو أحدهما, ليعبر لصاحب السيارة المزعج عن غضبه من تصرفه المنافي لقوانين السير ولحالة الطريق. بتعبير آخر, توقعت أن ينزل صاحب السيارة الأمامية وأن يدافع عن حقه وعن تصرفه الصحيح. ولما لا, أليس صاحب حق بين؟ ألم يكن توقفه هو التصرف الصحيح المطلوب منه ومن هو في حالته؟ بالمناسبة, لو تصرف صاحب السيارة بهذا الشكل فإنه سيكون واقعيا جدا. فلقد رأيت مثيلا لهذه السلوكيات في دول قدرت قوانين المرور أن تكون هي الفيصل في مفاوضات السائقين على مسارات الطرق. المهم, أن ما توقعته لم يحدث. بل حدث نقيضه تماما. إذ أن صاحبي السيارتين الأماميتين رضخا لطلب صاحب السيارة الثالثة ومشيا بسيارتيهما تدريجيا حتى التفا يمينا وبشكل مخالف لقانون المرور ومتطلبات السلامة ثم تبعهما صاحب السيارة الثالثة, قائد هذه المهزلة. لقد كان الزحف التدريجي لصاحب السيارة الأمامية نحو اليمين يشي, بحسب قراءتي لهذا السلوك, بأنه كان يعتقد أنه هو على خطأ وأن صاحب السيارة الثالثة هو الذي على حق. استشطت غضبا من المنظر. تبعت صاحب السيارة وأخذت رقم لوحات سيارته وهاتفت طوارئ مرور الرياض شارحا له الموقف. اخذ موظف المرور المعلومات اللازمة, بما فيها رقم هويتي, ثم أخبرني بأنه سجل مخالفة على صاحب السيارة. طلبت من موظف المرور علامة مرجعية (مثل رقم بلاغ أو ما شابه) تطمئنني على أن الرجل سجل عليه مخالفة فعلا إن أردت التأكد. ففوجئت بأن موظف المرور زعل معتبرا طلبي نوعا من التشكيك في ادائه المهني رافضا أن يعطيني أي تأكيد على أن المرجعية المرورية قد قامت بأي فعل لمعاقبة المخطئ. لا أكتب هذه الحكاية لأعلق على طريقة المرور في تفعيل الشراكة مع السائقين , فالحديث حول هذا الأمر يطول. ولكني أكتب القصة لأمارس التأمل في تصرف صاحب السيارة الأمامية باعتباره معبرا جيدا عن ضعف المرجعية القانونية في ضبط سلوكيات السائقين, وأرجو من القارئ الكريم أن ينسى مصدر المخالفة (صاحب السيارة الثالثة) ويركز معي على طريقة تجاوب السائقين الآخرين معه. فالموقف برمته يفصح عن أن الالتزام بقوانين السير أو بقواعد السلامة, أو بكليهما, في شوارعنا إنما هو التزام ضعيف قابل للانهيار تحت أية ضغوط تفاوضية من سائق مخالف. فكون السائق الذي كان ملتزما بالنظام لم ينزل بغضب من سيارته ليفهم المطالب المزعج بأن مطالبته غير نظامية وأن عليه أن يصبر حتى يتوقف سيل السيارات المنهمر من اليمين بل ويتصرف على العكس بتحوله نحو نمط السائق المخالف فقط لان الذي خلفه طالبه بذلك يعبر وبوضوح عن أننا بإزاء فشل ثقافي واسع لجهاز المرور, فشله في أن يجعل من أنظمته محكا لتفاوضات السائقين مع بعضهم البعض ومعيارا لسلوكياتهم في شوارعنا التي تحولت الى السبب الأول للموت في بلادنا. Salam2323@yahoo.com
|